عماد الدين خليل
252
دراسة في السيرة
في غزوة تبوك فقد بينه للناس « لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو ، ليتأهب الناس لذلك أهبته » . وأمر صلى اللّه عليه وسلم بالتجهز وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم وحضّ الذين يملكون على النفقة في سبيل اللّه وتهيئة الدواب التي ستنقل المقاتلين إلى الشمال . ثم ما لبث أن انطلق في رجب بأكبر جيش عرفه تاريخ الدعوة حتى ذلك الحين ، قيل إنه بلغ ثلاثين ألفا ، تصحبها عشرة آلاف فرس ، مستخلفا في المدينة عليا بن أبي طالب رضي اللّه عنه « 1 » ، ودافعا لواءه الأعظم إلى أبي بكر ورايته إلى الزبير رضي اللّه عنهما « 2 » . بدأ المسلمون مسيرتهم التي قطعوا فيها آلاف الأميال ، وعانوا آلام العطش والجوع والحر وقلة وسائل الركوب وبعد الطريق . . ويحدثنا عبد اللّه بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب : حدثنا عن شأن ساعة العسرة ، فقال : خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده « 3 » . لقد كان جوب البادية - يقول درمنغم - صعبا ، وجعل محمد صلى اللّه عليه وسلم وجنوده يعسكرون بعد غروب الشمس المحرقة تحت عاصفة من الرمال جياعا عطاشا ، وتوارى هؤلاء الجنود خلف جمالهم ، مولين الرياح ظهورهم مدثرين بأرديتهم ، متشبثين بالأرض ، وخرج اثنان من العسكر فاختنق أحدهما واحتملت الريح الآخر . فلما أصبح الناس بدؤوا يزحفون منهوكين محمري العيون ، مفطّري الأرجل ، مجمّدي الريق ، مدويي الآذان ، مفريي الجلود ، زالقين على ألواح حجرية سود ، متخرقين لصخور بادية على شكل سوق الشجر . . وبلغ بعضهم من الهذيان ما صب معه في حلوقهم ووضع على صدورهم سوائل ، أخذت من كروش الإبل « 4 » . انتهى المطاف بالمسلمين إلى تبوك في أقصى الشمال ، ويبدو أن الروم
--> ( 1 ) ابن هشام ص 325 ، الطبري : تاريخ 3 / 1 - 101 ، 103 - 104 ، ابن سعد 2 / 1 / 118 - 119 ويذكر الأخير أن ( محمد بن مسلمة ) هو الذي استخلف على المدينة ، الواقدي 3 / 989 - 991 . ( 2 ) الواقدي 3 / 996 . ويخطئ اليعقوبي ( تاريخ 2 / 56 ) كشأنه مرارا في قوله متحدثا عن غزوة تبوك أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى أرض الشام « يطلب بدم جعفر بن أبي طالب » بينما يشير سياق الأحداث ، وحجم التحرك العسكري ، وطبيعة الظروف السياسية ، إلى أن الأمر أكبر بكثير من مجرد هجمة ثأرية لمقتل رجل من المسلمين . ( 3 ) ابن كثير : البداية والنهاية 4 / 9 . ( 4 ) حياة محمد ص 365 .